طقس العرب-حين يظنّ الناس أن الشتاء يوشك على الرحيل، يفاجئهم بما تبقّى في جعبته من قسوة وبردٍ لاذع. هنا تبدأ خمسينية الشتاء، القسم الثاني من فصل الشتاء، والأكثر حضورًا في الذاكرة الشعبية، حيث امتزجت الطبيعة بالحكاية، وصاغ البرد أمثالًا ما زالت تُروى حتى اليوم.
سعد بلع ( إبلع ) في الموروث الجمعي بالمشرق العربي
اشتهرت الخمسينية بما يُعرف بـفترة السعودات، ومدتها خمسون يومًا، تُقسَّم إلى أربعة أقسام، يُطلق على كل واحد منها اسم «سعد»، ويمتد كل سعد اثني عشر يومًا ونصف اليوم، وهي:
وبحسب الموروث الشعبي، يبدأ موعد الخمسينية في الأول من شباط، فيما يرى بعض خبراء الطقس أن سعد الذابح قد يبدأ هذا العام في 30 كانون الثاني.
ما هي قصة السعودات وما علاقة الراعي سعد بها؟
سُمّي سعد الذابح كناية عن شدّة البرد وقسوته، حتى صار مضربًا للأمثال، وقيل فيه: «سعد ذبح، كلبه ما نبح، وفلاحه ما فلح، وراعيه ما سرح».
وهو وصف دقيق لأيامٍ يُشلّ فيها كل شيء، ويصبح الاحتماء ضرورة لا ترفًا.
سعد بلع، حيث تكثر الأمطار، وتتشرب الأرض مياهها بسرعة، فقيل:
«السما تشتي، والأرض تبلع»
وقيل أيضًا:
«سعد بلع طاب المي وانبلع».
وكان الفلاحون يرون في سعد بلع ذروة ارتواء الأرض، حيث تشرب التربة بهدوء وتتغذّى الطبقات الجوفية، فتبدأ الآبار بالامتلاء إيذانًا بموسم خير.
ويأتي سعد السعود، مرحلة التحوّل وبداية الدفء، حيث:
«يدبّ الماء في العود، ويدفأ كل مبرود».
وفي هذا التوقيت بالذات، كان الفلاحون في بلاد الشام يضبطون أعمالهم الزراعية بدقّة متناهية، مسترشدين بالموروث الشعبي الذي كان بمثابة تقويم زراعي حيّ.
فـقبل حلول سعد السعود، يبدأ موسم تقليم الأشجار، وعلى رأسها دالية العنب، إذ يُعد هذا الوقت الأنسب للتقليم، قبل أن تبدأ العصارة بالسريان في الأغصان، وقبل دخول الأشجار مرحلة النمو النشط.
وكانوا يقولون إن من يؤخّر التقليم إلى ما بعد سعد السعود، يُضعف الشجرة ويقلّل إنتاجها، لأن الحياة تكون قد دبّت في عودها.
وتُختتم الخمسينية بـسعد الخبايا، حيث يعتدل الجو، وتخرج الأفاعي والكائنات من سباتها الشتوي، وتتزيّن الأيام بدفءٍ لطيف، حتى قيل:
«سعد الخبايا بتطلع الحيايا وتتفتل الصبايا».
أما حكاية الراعي سعد، فهي أصل التسمية
يروي الموروث الشعبي حكاية شاب يُدعى سعد، كان راعيًا شجاعًا خرج ذات يوم للرعي في أواخر المربعانية. خدعته شمس دافئة، فظنّ أن الشتاء قد انتهى.
رغم نصائح والده وكبار قريته بعدم الخروج إلا أنه تجاهل تلك النصائح، وخرج مع ناقته وخرافه واثقًا بأن الدفء سيلازمه.
لكن الطبيعة كان لها رأي آخر.
انقلب الطقس فجأة، وهبّت عاصفة قارسة، وتساقطت الأمطار والثلوج، واشتدّ البرد حتى أصبح الموت قريبًا.
في لحظة مصيرية، لم يجد سعد وسيلة للنجاة سوى ذبح ناقته، ليحتمي داخل أحشائها، ويتدفأ بفروتها، وينجو من الهلاك.
ومن هنا جاءت تسمية هذه الفترة من السنة بـسعد الذابح.
وما زالت هذه الحكايات والأمثال حاضرة في وجدان الناس، شاهدة على زمنٍ كان فيه الموروث الشعبي هو المرشد الحقيقي للفلاحين في بلاد الشام، ودليلهم لفهم الطقس، وتنظيم الزراعة، والتكيّف مع قسوة الطبيعة.
المصدر: بقلم: سعد البخاري
تطبيق طقس العرب
حمل التطبيق لتصلك تنبيهات الطقس أولاً بأول